Al Joumhouri - موقع الحزب الجمهوري

Switch to desktop Register Login

العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين: تجربة 18 أكتوبر في تونس



{{العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين: تجربة 18 أكتوبر في تونس }} هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريّات تحالف سياسيّ قام سنة 2005 بين أحزاب وشخصيّات من اتجاهات إصلاحيّة وعلمانيّة وإسلاميّة بغاية الدفاع عن الحريّات العامّة والبحث عن أفق للانتقال إلى الديمقراطيّة في تونس. وتسبّب هذا الحدثُ في انقسام حادّ داخل الطبقة السياسيّة التونسيّة: بين فريق يرى أنّ الإسلاميين جزء من مكوّنات الحركة السياسيّة، لها موقعُها في عمليّة الانتقال إلى الديمقراطيّة؛ وفريق يرى أنّ حقّ الإسلاميين في الوجود السياسيّ لا تترتّب عنه بالضرورة إقامةُ تحالفٍ معهم لأنهم يمثلون استبدادًا أشدّ بأسًا بسبب طبيعته الشموليّة. ويمكن القول إنّ خطّ التباين هذا يمرّ بين القوى التي شاركتْ في إنشاء التحالف، وبين شخصيّات ومنظّمات يساريّة تجمّعتْ حول "حركة التجديد" التي نشأتْ من رحم الحزب الشيوعيّ التونسيّ أواسط التسعينيّات. لم يكن هذا الانقسام ماثلاً عند نشأة الحركة الإسلاميّة التونسيّة التي برزتْ إلى الوجود مطلع السبعينيّات في شكل مجموعة دعويّة تعمل في أوساط الشباب التلمذيّ، قبل أن تتحول في جوان 1981 إلى حزب سياسيّ يحمل اسم "حركة الاتجاه الإسلاميّ." جاء الإعلان عن تأسيس هذه الحركة في تفاعل مع إعلان الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة خلال المؤتمر التاسع لحزبه (أفريل 1981) "أنه لا يرى مانعًا من بروز تعدديّة حزبيّة في تونس." وقدّمت الحركة الجديدة نفسها كحزب سياسيّ يسعى إلى العمل القانونيّ، وأقرّت بالديمقراطيّة وسيلةً للوصول إلى الحكم (تصريح الشيخ راشد الغنوشي لصحيفة المجلة الكويتيّة لسنة 1981). غير أنّ ردّ الحكومة على تأسيس حزب إسلاميّ اتّخذ شكل حملة إيقافات ومحاكمات شملتْ قيادة الحركة وأنصارها. استنكرت الحركة السياسيّة العلمانيّة، الممثلة آنذاك في الاتجاه الليبراليّ المنشقّ عن الحزب الدستوريّ الحاكم، هذه الحملة وجعلتْ من إطلاق سراح المساجين الإسلاميين وسنّ قانون العفو العامّ واحدًا من أهم مطالب الحركة السياسيّة مطلع الثمانينيّات؛ ولم يخرج اليسار التونسي (ممثّلاً في الحزب الشيوعيّ والتجمع الاشتراكيّ التقدميّ) عن هذا السياق العامّ. في العام 1985، إثر الاعتداء الإسرائيليّ على مدينة حمام الشاطئ، شكّلتْ أحزابُ المعارضة لجنةَ اتصالٍ في ما بينها، ضمّت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وحركة الوحدة الشعبيّة والحزب الشيوعيّ (وهي أحزاب قانونيّة)، إلى جانب حركة الاتجاه الإسلاميّ والتجمع الاشتراكيّ التقدميّ (غير المعترف بهما آنذاك). ومن بين المواقف التي ميّزتْ أعمالَ هذه الهيئة البيانُ المشترك الذي أصدرته في شهر افريل 1987 للتنديد بحملة الاعتقالات الثانية التي طالت الإسلاميين وانتهت إلى محاكمة المئات من كوادرهم وقيادات الصفّ الأول من قبل محكمة أمن الدولة التي أصدرتْ يوم 27/9/1987 أحكامًا قاسية في شأنهم بلغتْ حدّ الحكم بالإعدام على ثلاثة عناصر تورّطتْ في أعمال عنف وبالسجن المؤبّد على قيادات الحركة ــ وهي الأحكام التي أسرعتْ بعمليّة التغيير في رأس السلطة يوم 7/11/1987. وفي أعقاب هذا التغيير عرفت العلاقة بين السلطة والحركة الإسلاميّة انفراجًا أشار إليه الرئيس بن علي في الحديث الذي أدلى به إلى صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 11/11/1993، وفيه أنّب الحركةَ الإسلاميّة معدِّدًا ما قدّمه إليها: "لقد أنقذنا حياتهم من المشنقة، وأفرجنا عنهم من السجون، ومنحناهم العفوَ العامّ، وربطنا الاتصال بهم، وشرّكناهم في صياغة الميثاق الوطنيّ، وشاركوا في الانتخابات، ومنحناهم صحيفة، وفتحنا في وجههم سبلَ المشاركة في الحياة العامة..." قبل أن يضيف: "إنّ العدالة قالت اليوم كلمتها في شأنهم، ولم يعد من سبيل للحوار معهم لأنهم يستغلّون العواطف الدينيّة لتقويض أسس الدولة." ألقت هذه الأزمة الجديدة بين الإسلاميين والحكم بظلالها على العلاقة بين الطرفين، وبين باقي مكوّنات الحركة السياسيّة التونسيّة. ويمكن أن نعزو هذا التأثر إلى ثلاثة عوامل أساسيّة: - القوة التعبويّة التي أظهرها الإسلاميون خلال انتخابات عام 1989 وبرزوا خلالها في صورة المنتصر الأكبر على الرغم من عدم حصولهم على مقاعد برلمانيّة. فقد أسند الحكمُ إليهم 17 بالمائة من أصوات الناخبين برغم التزوير الواسع الذي شاب تلك الانتخابات التي دارت وفق نظام انتخابيّ يتيح للقائمةِ الأغلبيّةِ الظفرَ بكامل المقاعد المتنافَسِ عليها ــ وهو النظام المعروف بنظام التصويت على القوائم في دورة واحدة. وفي ردّة فعل على هذا الحدث الذي أثار مخاوف بعض القوى العلمانيّة، تَشكّلَ تجمع "المائة والخمسين" الذي ضمّ مئات الكوادر اليساريّة غير المتحزّبة، في محاولةٍ - لم يُكتب لها الدوام – لمواجهةِ "الاستقطاب الثنائيّ" بين الحكم والإسلاميين. - أما العامل الثاني فيتمثّل، هو الآخر، في القوة التعبويّة التي أظهرها الإسلاميون من خلال المظاهرات التي نظّموها بمناسبة أزمة الخليج الأولى (صيف وخريف 1990) وفتحتْ على ممارساتٍ عنيفةٍ استهدفتْ مقارَّ الحزب الدستوريّ الحاكم ومراكزَ الأمن. ـ أما العامل الثالث فيتمل في انزلاق الجزائر إلى مسلسل العنف الأهليّ في أعقاب انتخابات عام 1991 والذي غذّى المخاوف لدى الحكم وشرائح علمانيّة، على الرغم من تبرّؤ قيادة الحركة الإسلاميّة التونسيّة من أعمال العنف وتأكيدها أنّ الوسائل السلميّة هي خيارها الوحيد في العمل السياسيّ. تدهورت العلاقة إذن سريعًا بين الإسلاميين والحكم الذي أعلن، سنة 1991، عن اكتشاف "محاولة انقلابيّة" نظّمتْها حركةُ النهضة، وأَطلق حملة اعتقالات شملت الآلافَ من أعضائها وقياداتها من مختلف المراتب، وانتهتْ إلى عدة محاكمات صدرتْ في أعقابها مئاتُ الأحكام بالسجن لمدد طويلة، في غياب أدنى شروط المحاكمة العادلة واعتمادا على اعترافات اقتلعت عن طريق التعذيب والإكراه. وشهد شهر أوت 1992 أبرز هذه المحاكمات إذ مثل خلال الأولى 171 عنصرا قياديا من حركة النهضة ومثل في الثانية 108 عنصرا إسلاميا( من بينهم ثمانون بحالة إيقاف وثلاثون عسكريا) وقد نفت الحركة كل علاقة بهذه المجموعة التي أنشأها عضو قيادي منشق فيها اسمه الطاهر الأسود. و إثر هذه المحاكمات صرح وزير الداخلية بخيلاء يوم 22/9/199 "لقد انتهى أمر الحركة الإسلامية" (Il en est fait du mouvement islamiste). لم تكتفِ السلطة بتعقّب أعضاء الحركة، وأنصارها الذين قدّموا لها التأييد خلال انتخابات سنة 1989، وإنما طال القمعُ كلَّ من قدّم العون الماديّ إلى عائلات الموقوفين، ولو صدر عن أقربائهم وذويهم. وتعرّضت الجامعاتُ إلى حملة من القمع سقط خلالها طالبان صرعى بالرصاص الحيّ، وبسطتْ قواتُ الأمن سيطرتها داخل الكليّات وأنشأتْ مراكزَ أمنيّة فيها. وقرّرت الحركة الإسلاميّة تجميد نشاطها التنظيميّ، وانشغلتْ بالدفاع عن المعتقلين وإسعاف عائلاتهم. وصنّف الحكمُ المشهدَ السياسيّ إلى فريقين، على مقولة "إمّا معنا أو مع الإسلاميين" الذين أصبح يشار إليهم "بالإرهابيين،" وقطع علاقته السياسيّة بكلّ من أبدى معارضة أو تحفظا إزاء المنحى الأمنيّ التي تردّت فيه البلاد. وفي هذا السياق تندرج أزمتُه مع الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان، وحزبِ التجمّع الاشتراكيّ التقدميّ. ودخلت الحياةُ السياسيّة في سبات عميق حتى نهاية العشريّة، حين عاد مناضلو حقوق الإنسان إلى النشاط في الداخل والمهجر، مدعومين بالمنظّمات الدوليّة لحقوق الإنسان، واستفادوا من الثورة التي عرفتْها تقنيّاتُ الاتصال الحديثة لإبلاغ صوتهم إلى عموم التونسيين. وفي هذا السياق عاد مطلبُ "العفو العامّ" إلى البروز، ومعه مسألةُ العلاقة مع الإسلاميين. ويمكن تلخيصُ هذا التطور في المحطات الرئيسة الآتية: ـ "اللجنة الوطنيّة للعفوّ العامّ" التي أنشأتها الرابطةُ التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان في 29/6/2001 بمشاركة العديد من هيئات المجتمع المدنيّ المستقلة وجميعُها من العلمانيين. ويُعدّ هذا الحدث تطورًا لافتًا في العلاقة بين العلمانيين والإسلاميين بعد أن غاب مطلبُ العفو العامّ عن القاموس السياسيّ التونسيّ تحت تأثير الأزمة التي عرفتها البلاد وما نتج عنها من تحفّظٍ إزاء الإسلاميين المعنيين أساسًا بهذا المطلب. ـ الاجتماع الذي انعقد بمدينة آكس آن بروفانس الفرنسيّة في ماي 2002 وجمع، لأول مرة، إسلاميين وعلمانيين (حركة النهضة، الحزب الديمقراطيّ التقدميّ، التكتل الديمقراطيّ للعمل والحريّات، حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، وشخصيّات مستقلة، بينما غاب عنه حزبُ العمّال الشيوعيّ، ولم تدعَ إليه حركةُ التجديد). فقد صاغ مسوّدة بيان مشترك لم ير النور لتحفّظ القيادات السياسيّة عنه. وشكّلتْ العلاقة مع الإسلاميين محورَ الخلاف: بين منادٍ بتحالفٍ معها، ومكتفٍ بإطلاق حوار يسبق هذا التحالف، ومعارض لإقامة العلاقة. ـ الاعتصام الذي نظّمه المحامون لمدة 52 يومًا بدار المحامي (من 5/2 إلى 27/5/2005) للاحتجاج على ما تعرّض له عميدُهم من إهانة على يد أحد قضاة التحقيق بمناسبة إيقاف المحامي محمد عبو وللمطالبة بإطلاق سراح هذا الأخير. وقد ضمّ هذا التحركُ لأول مرة نشطاء من العلمانيين والإسلاميين الذين خاضوا غمار معترك مشترك من أجل قضايا مشتركة وواجهوا خصمًا مشتركًا من دون أن يَطرح هذا التطورُ أيَّ تساؤل أو يثير أدنى تحفظ. وأسهم ذلك في كسر الجليد بين الفريقين، وهيّأ لبروز حركة 18 أكتوبر التي انطلقتْ بعد خمسة أشهر من هذا الحدث. {{هيئة 18 أكتوبر}} وُلدتْ هيئة 18 أكتوبر في أجواء من الإحباط. فخلافًا لما كان ينتظره المراقبون والناشطون والحقوقيون، لم تبادر الحكومة بأيّ إجراء انفراجيّ استعدادًا لاستقبال "القمّة العالميّة لمجتمع المعلومات" المزمعِ عقدُها في نوفمبر 2005، بل أمعنتْ في التضييق على نشاط هيئات المجتمع المدنيّ والحركة السياسيّة (منع الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان ونقابة الصحافيين التونسيين من عقد مؤتمريْهما، واعتقال المحامي محمد عبو وما نجم عنه من أزمة مفتوحة مع عامّة المحامين والإطاحة بالقيادة الشرعيّة لجمعيّة القضاة التونسيين الخ..). في هذه الأجواء تداعت شخصيّات من المجتمع المدنيّ والحركة السياسيّة للتشاور حول سبل تحريك الوضع، لكنها لم تتوصل إلى اتفاق. ومن بين الأفكار التي وقع التداول فيها خوضُ إضرابٍ عن الطعام احتجاجًا على تردّي الأوضاع وللمطالبة بالحريّات الأساسيّة. فشلُ هذا الاجتماع عزّز الاقتناعَ لدى البعض بأنّ الوضع بات يتطلّب مبادرة إراديّة لشحذ العزائم واستنهاض القوى. فانطلق التشاور حول فكرة الإضراب وانتهى إلى اتفاق بين ثماني شخصيّات مدنيّة وسياسيّة على خوضه. وعمل المبادرون على أن تشمل المشاورات الإسلاميين والعلمانيين على حدّ سواء، وبخاصّة أنّ اعتصام المحامين أثبت أنّ وحدة العمل حول مطالب حقوقيّة وسياسيّة دنيا أمر ممكن ومجْدٍ. انطلق الإضراب يوم 18/10/2005 من مكتب أحد المحامين المشاركين في الإضراب. وأعلن المضربون خلال ندوة صحفيّة عن مطالبهم: حريّة التعبير والصحافة، وحريّة التنظيم الحزبيّ والجمعويّ، وتحرير المساجين السياسيين وسنّ قانون العفو العامّ. هذا وقد تناقلتْ وكالاتُ الأنباء خبر الإضراب الذي أثار اهتماما في مختلف الأوساط؛ من ذلك أنِ انتظم منذ الليلة الأولى تجمّعٌ شبابيّ حول مقر الإضراب، فرّقتْه قواتُ الأمن بالقوة، وضربتْ على إثره حصارًا على المقر ومنعت الدخولَ إليه. وفي اليوم الثاني زارت المضربين بعثةٌ دبلوماسيّة أوروبيّة، تلتها وفودٌ دبلوماسيّة أخرى، ما اضطرّ قواتِ الأمن إلى رفع الحصار. فبدأ الزوّار يتوافدون بالمئات يوميًا، وانتظمتْ في مختلف جهات البلاد والمهاجر لجانُ التضامن مع المضربين. ولاقى الإضراب تغطية إعلاميّة واسعة من مختلف وسائل الإعلام العربيّة والدوليّة. ولم تتخلّف المنظّمات الدوليّة المعنية بحقوق الإنسان، والأحزاب والشخصيات الديمقراطية في العالم، عن تأييد مطالب المضربين. وعلى المستوى الوطنيّ تشكّلتْ لجنة لمساندة الإضراب ضمّت أكثر من مائة من ممثلي الحركات السياسيّة وهيئات المجتمع المدني والشخصيّات الوطنيّة من مختلف الاتجاهات العلمانيّة والإسلاميّة، وشكلت سابقة في يوميّات العمل المعارض في تونس. وهذه التعبئة الاستثنائيّة التي فاجأت الجميعَ، بما فيهم المضربون، عكستْ حالة الاحتقان لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من التونسيين؛ وجاءت نتيجةً لوضوح مطالب المضربين وشرعيّتها؛ وعبّرتْ عن الأمل الذي أحياه توحّدُ رموز المعارضة بعيدًا عن الفرقة والإقصاء والتشتّت التي ميّزت المعارضة حتى ذلك التاريخ. دام الإضراب أكثر من ثلاثين يومًا، وتزامن مع انعقاد مؤتمر القمة العالميّة لمجتمع المعلومات، سارقًا الأضواء عنها. وتحوّلت الوفودُ المشاركة في هذه القمة إلى مقرّ الإضراب، وتدخّل العديد من الشخصيّات، وفي المقدمة شيرين عبادي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، التي زارت المضربين وطلبتْ إليهم أصالةً عن نفسها ونيابةً عن الوفود الدوليّة المشاركة في القمة تعليقَ إضرابهم، وتعهّدتْ بدعم مطالبهم والعمل على تحقيقها. واستجاب المضربون وعلقوا إضرابهم يوم 18/11/ 2005. كان واضحًا بالنسبة إلى المضربين أنّ مطالبهم لن تتحقق في بحر شهر أو شهرين؛ لذلك ناقشوا طويلاً مستقبلَ تحرّكهم والآفاق التي يمكن أن يُفتح عليها. كما كان واضحًا لهم أنّ أرضيّة الإضراب الحقوقيّة، على أهميّتها، لا تختزل حاجيّات البلاد السياسيّة؛ وأنّ التباعد في الرؤى بين التيّارات العلمانيّة والإسلاميّة والخلافاتِ التي شقّتهم مدةً طويلة لم تُطوَ بمجرد خوضهم إضرابًا مشتركًا. وانتهت مشاوراتُهم إلى اتفاقٍ يتلخّص في نقطتين: 1) مواصلة العمل الميدانيّ المشترك لتحقيق مطالب الإضراب الثلاثة في إطار هيئة أطلقوا عليها اسم "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريّات" تضمّ جميع المضربين وعددًا من الشخصيّات الوطنيّة التي ساندت الإضراب. 2) إقامة حوار حول أسس المجتمع الديمقراطيّ الذي يَنشدونه لتونس في أفق بلورة عهد ديمقراطيّ يكون أساسًا للرفع من وحدتهم إلى مستوى البرنامج السياسيّ المتكامل، وقرّروا أن يجري هذا الحوار بشكل علنيّ وأن يكون مفتوحًا للجميع في إطار ما أسموْه "منتدى 18 أكتوبر." شكل الإعلان عن تشكيل هيئة 18 أكتوبر نقطة اختلاف وتمايز بين القوى التي شاركت في مساندة الإضراب. ففيما رأى المضربون والقوى التي يمثّلونها في تشكيل هذه الهيئة نتيجةً منطقيّةً لتحرّكهم الذي لم يستنفدْ أغراضه، رأت أطراف أخرى أنّ مشاركتها في مساندة الإضراب كان من باب مساندة مطالبه المشروعة لا الانخراط في استراتيجيا سياسيّة تقوم على دمج الحركة الإسلاميّة في علميّة التغيير الديمقراطيّ. لذلك انفضّت "اللجنة الوطنيّة لمساندة الإضراب" إثر تقديم تقريرها الختاميّ في اجتماع مشترك صبيحة 4/12/2005، فيما اجتمعت القوى المؤسِّسة لهيئة 18 أكتوبر عند ظهيرة ذلك اليوم لتواصل أعمالها ضمن هذا الإطار الجديد. {{ وحدة العمل الميدانيّ }} يعدّ تأسيسُ هيئة 18 أكتوبر، وما رمز إليه من إعادة الحركة الإسلاميّة إلى المشهد السياسيّ الداخليّ بعد غياب طويل، تجاوزًا للخطوط الحمراء التي رسمتْها السلطةُ خلال السنوات الخمس عشرة التي سبقتْ هذا التأسيس. لذلك واجهت السلطةُ تحرّكاتِ الهيئة باستعمال العنف، سواء في تفريق التجمّعات التي دعت إليها، أو لمنع اجتماع أعضائها. هذه المواجهة المنهجيّة بالقوة أثّرتْ، مع مر الزمن، في قدرة الهيئة على تنظيم تجمّعات في الشارع على غرار تحركات حركة "كفاية" في مصر، التي كانت الهيئة تعمل على محاكاة أنشطتها، بل حالت دون انعقاد الاجتماعات العامة التي دعت إليها الأحزابُ القانونيّة المنضوية تحت لواء هذه الهيئة، إذ كانت قواتُ الأمن تحاصر مقرات الأحزاب وتمنع دخول المدعوين إليها، ولاسيّما العناصر والوجوه الإسلامية. ووجدت الهيئة صعوبة في عقد اجتماعات أعضائها أنفسهم في الأماكن الخاصّة، وباتت تجتمع بشكل سريّ بقصد تنسيق مواقفها وإصدار بياناتها. {{ الحوار الفكريّ }} أما على مستوى الحوار الفكريّ السياسيّ، فقد تمكّنت الهيئة من تنظيم حوارات بين مكوّناتها حول أمّهات القضايا التي تشْغلها. ودارت هذه الحوارات في إطار لجان خاصة تمهيديّة، أو في شكل موائد مستديرة احتضنتها مقرّاتُ الأحزاب بحضور ومشاركة خبراء وأكاديميين ووجوه من المجتمع المدنيّ والحركة السياسية، ثم تصاغ ورقة تأليفيّة تلخص ما انتهى إليه النقاش في الموضوع، فتُعرض على الهيئات الحزبيّة المنضوية تحت لواء الهيئة قبل أن تُنشر كموقف رسميّ ملزِم لأطرافها. ودار الحوار حسب أربعة محاور: 1) المساواة بين الجنسين، وهي مسألة حسّاسة في تونس وأذكت صراعًا طويلاً بين العلمانيين والإسلاميين خلال السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي. 2) حريّة المعتقد في بلد إسلاميّ حديث. 3) علاقة الدين بالدولة في النظام الديمقراطيّ المرتقب. 4) الحرمة الجسديّة وتطبيق الحدود (أدمج ضمن المحور الثالث). صدرتْ في كلّ هذه القضايا مواقفُ مشتركة غذّت جدلاً واسعًا على شبكة الانترنت، واحتضنتْه صحيفةُ الموقف في الداخل. وقد حرص المشاركون في هذا الحوار على النأي به عن المحاكمات الإيديولوجيّة التي تطاول الأسسَ العقائديّة لمختلف الأطراف، وحاولوا البحث عن اتفاقات سياسيّة تحفظ لكلّ طرفٍ خصوصيّتَه وتُلزم كلّ الأطراف إزاء المسألة المطروحة للحوار باعتبارها جزءًا من الميثاق أو العهد الديمقراطيّ الذي يؤسِّس للتعايش بين جميع التونسيين في ظلّ نظام عصريّ: نظام يرعى الهويّة القوميّة والدينيّة للشعب، ويقوم على قاعدة احترام الحقوق والحريّات الأساسيّة للمواطن ومبادئ الفصل بين السلطات والاحتكام إلى الإرادة العامة لاختيار القائمين على شؤون الحكم من خلال انتخابات دورية، حرة ونزيهة. وقد ضمّنت الهيئة مجمل هذه الوثائق في كتيّب صدر أخيرًا ويمكن إيجازُها على النحو الآتي: ـ ثمّنت الهيئة المكاسبَ التي جاءت بها مجلةُ الأحوال الشخصيّة التونسيّة، ورأت فيها ثمرةً لحركة إصلاحيّة تنويريّة خلّصتِ المرأةَ من قيود عصور الانحطاط الاجتماعيّة والثقافيّة، وأسهمتْ بذلك في تحرير نصف المجتمع وتحديثه مع الحفاظ على مقوِّمات هويّته الحضاريّة الخصوصيّة. وطالبت الهيئة بتعميق هذه المكاسب، في توافق مع المواثيق الدوليّة المتعلقة بالمساواة بين الجنسين، واستثنت منها بعضَ القضايا التفصيليّة والحسّاسة، مثل المساواة في الميراث أو زواج المسلمة بغير المسلم، واعتبرتْ أنها قضايا يمكن أن يستمر حولها الخلافُ وأن يُترك حلّه لمؤسّسات تمثّل الإرادة العامة. ـ اعتبرت الهيئة أنّ المعتقد حريّة شخصيّة لا تحتمل الإكراه وتشكل بعدًا من حريّة الرأي التي تتوقّف عليها سائرُ الحريّات الأخرى، وتشمل: الحقَّ في اعتناق دين أو معتقد أو تركه، والحقَّ في إظهاره والدعوة إليه وإقامة شعائره ونشره عن طريق التعليم والعمل الدعويّ. وتعهّدت الهيئة بصون حريّة الضمير والمعتقد، وبالعمل على نبذ كلّ تمييز على أساس الدين أو المعتقد، باعتبار ذلك شرطًا من شروط المواطنة التي تقوم على أساس المساواة الكاملة بين أفراد المجتمع. ـ اعتبرت الهيئة أنّ الدولة في النظام الديمقراطيّ مؤسّسة مدنيّة تستمد شرعيّتها من إرادة الشعب الحرّة وتتقيّد بالقانون وبمبادئ حقوق الإنسان، ومنها: ضمانُ حرمة الإنسان الجسديّة، ونبذُ كلّ أشكال التعذيب والمعاملات المهينة وفقًا للاتفاقيّة الدوليّة لسنة 1984 الخاصّة بمقاومة التعذيب. واعتبرت الوثيقة من جهة أخرى أنّ الإسلام دينُ غالبيّة الشعب العظمى، وأنّه يشكل مع اللغة العربيّة أحدَ المقوِّمات الأساسيّة لهويّة البلاد الحضاريّة التي تتطوّر في تفاعلٍ خلاّقٍ مع مكتسبات الحداثة. لذا اعتبرتْ أنّ على الدولة أن تولي الإسلامَ مكانةً خاصّةً، وأن تضْمن تدريسَ موادّ التربية الإسلاميّة في المؤسّسات التعليميّة، وأن ترعى علاقات التآخي والتضامن مع سائر الشعوب الإسلاميّة، وأن تدافع عن اللغة العربيّة باعتبارها لغة الإدارة والتعليم والثقافة. كلُّ ذلك في نطاق ضمان حريّة المعتقد، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو العقيدة، والانفتاح على الحضارة الكونيّة وعلى لغاتها المختلفة، ونشر العلوم الحديثة، وتنمية التفكير العلميّ والحسّ النقديّ لدى المواطنين. {{الحصاد}} استغرق الحوارُ مدةً أطول ممّا كان منتظرًا (من بداية 2006 حتى نهاية 2009) بسبب التردّد الذي غذّاه الخوف من أن ينزلق هذا الحوار إلى ضربٍ من المحاكمات الإيديولوجيّة، وبسبب التوجّس من أن يساء فهمه من طرف القواعد ومن شبكة الأصدقاء في الخارج. والحقيقة أنّ المواقف التي انتهى إليها الحوار لم تكن مقطوعة عن التطور الذي عرفته مختلفُ الأطراف على مدى عقدين من الزمن أو أكثر. فالحركة الإسلاميّة التونسيّة تميّزتْ منذ وقت مبكر بانخراطها في الإطار القانونيّ المؤسّساتيّ، وبانفتاحها على الفكر الديمقراطيّ، في وقتٍ كانت تُعّدّ فيه الديمقراطيّةُ ضربًا من ضروب الحكم الطاغوتيّ. كما عرفتْ مواقفُها من قضيّة المرأة، ومن مسألة حريّة المعتقد، تطوّراتٍ لافتةً عبّرتْ عنها كتاباتُ مؤسِّسها الشيخ راشد الغنوشي المنشورة منذ الثمانينيّات. وفي المقابل، مثّل الحوار في إطار هيئة 18 أكتوبر فرصةً للقوى العلمانيّة من أجل توضيح موقفها من قضايا هويّة البلاد وموقع الدين فيها، ومناسبةً للتعبير عن موقف إيجابيّ من العديد من القضايا الثقافيّة التي شكّلتْ في الماضي عائقًا أمام اندماج هذه القوى في النسيج التونسيّ المتشبّث بهويّته العربيّة الإسلاميّة والمنفتح على العصر منذ وقت مبكّر سبق دخول الاستعمار ــ وهو ما تشْهد عليه أعمالُ المصلحين التونسيين من أمثال خير الدين باشا (منتصف القرن التاسع عشر)، وحركة الشباب التونسيّ (مطلع القرن العشرين)، وعبد العزيز الثعالبي، والطاهر بن عاشور، والطاهر الحداد (ثلاثينيّات القرن الماضي). وإذا كان لهيئة 18 أكتوبر فضلٌ في تاريخ العلاقة بين العلمانيين والإسلاميين، فإنّه يمكن تلخيصُها في ثلاثة أبعاد أساسيّة هي: {{1-}} كسرُ الحواجز التي وضعتْها السلطةُ منذ مطلع التسعينيّات في وجه النشاط السياسيّ المستقلّ، وفتحُها البابَ مجدّدًا في وجه عودة الحركة الإسلاميّة التونسيّة إلى المشهد السياسيّ وإعادةُ الاعتبار إليها طرفًا معنيًا بالانتقال إلى الديمقراطيّة. {{2-}} التأكيد أنّ الديمقراطيّة ليست آليّة للوصول إلى الحكم وحسب، بل هي أيضًا تفقد جوهرها وتتحوّل إلى ضربٍ من ضروب الشموليّة إنْ لم تستند إلى منظومة حقوق الإنسان التي ترعى حريّة الفرد والمواطن في وجه الدولة واضطهاد الأغلبيّة. {{3-}} التأكيد أنّ قيام الديمقراطيّة في حاجة إلى وفاق اجتماعيّ يحدِّد الإطار الذي تجري فيه العمليّة السياسيّة، تشارك في صياغته كلُّ القوى الفاعلة، وتعبِّر عنه في شكل عقدٍ أو ميثاقٍ يحدِّد أركانَ النظام الاجتماعيّ المنشود. من جهة الفكر السياسيّ، يمكن القول إنّ إضافة 18 أكتوبر تتمثّل في التأسيس، قولاً وعملاً، لعقد اجتماعيّ يحدّد ملامحَ النظام الديمقراطيّ الحديث الذي تنشده الهيئة لتونس كبلد عربيّ إسلاميّ. وهو يتلخّص في أنّ الديمقراطيّة آليّة للتداول على الحكم بالاحتكام إلى الإرادة العامّة في إطار منظومة حقوق الإنسان وحريّاته الأساسيّة، وأنّ هذا النظام لا يتعارض مع موروثنا الدينيّ والحضاريّ بل يُعدّ شرطًا لتجدده واستمراره في العصر الحديث. غير أنّ الإضافة الفكريّة لهيئة 18 أكتوبر لا يمكن أن تخفي إخفاقاتها السياسيّة التي تجلت في الأبعاد الثلاثة التالية: {{1-}} أنّ شدة الضغط على نشاط الهيئة حال دون قيام تحركات ميدانيّة تكون في مستوى الانتظارات التي أثارها إضرابُ الجوع. {{2-}} أنّ طولَ الوقت الذي استغرقه النقاشُ الفكريّ، والتردّدَ في التقدّم به، حالا دون تطوير أرضيّة الهيئة إلى مستوى البرنامج السياسيّ، فعجزتْ بذلك عن مواكبة التطوّرات السياسيّة التي عرفتها البلاد. فلئن بدت المطالب الحقوقيّة الثلاثة التي قامت عليها الهيئة كافية لتحريك الوضع سنة 2005، فإنّ اقتراب موعد الانتخابات العامة لسنة 2009 وما طرحتْه من قضايا (كمسألة الشرعيّة السياسيّة والتداول على السلطة) جعل تلك الهيئة تتخلف عن هذا الاستحقاق الوطنيّ، فتفقد وظيفتها السياسيّة من دون أن تضيف إلى الحقل الحقوقيّ شيئًا يُذكر، وصحّ في شأنها قولُ ابن خلدون: "كلُّ واقفٍ في تأخّر!" {{3-}}واليوم، بعد انقضاء الانتخابات العامة لشهر أكتوبر 2009، وتواصُلِ احتكار الحزب الحاكم للتمثيل الشعبيّ في مجلس النواب وفي مختلف المجالس البلديّة والهيئات التمثيليّة، تجد البلاد نفسها من جديد أمام استحقاق دستوريّ يضعها على مفترق طرق: إمّا القبول بتحوير الدستور مرةً أخرى بما يضمن للرئيس الحاليّ البقاءَ في الحكم مدى الحياة وما يقتضي ذلك من وضع آليّاتٍ للخلافة لا يكون للشعب قولٌ فيها، وإما العمل على شقّ طريق للانتقال إلى الديمقراطيّة والتداول السلميّ على الحكم في أفق عام 2014. وبالرغم من حيوية هذا الاختيار ومصيريّته، فإنّ الأطراف المكوِّنة لهيئة 18 أكتوبر لا تبدو على استعداد لتحمّل مهامّ هذه المرحلة الدقيقة لأسباب يمكن تلخيصها في: أ) الحالة الصعبة التي عليها الحركةُ الإسلاميّةُ بسبب الضغط المصلتِ على قياداتها الخاضعة للإقامة الجبريّة في مناطق متباعدة، وبسبب استفحال الخلاف داخلها حول تقييم المرحلة السابقة واستشراف ملامح العمل المستقبليّ. ب) توزّع الحركة العلمانيّة على مجموعات متناثرة لأسبابٍ شتّى، أهمُّها التقوقعُ التنظيميّ والاختلافُ في التصوّرات وصيغِ العمل. وهكذا يتضح أنّ الاتفاق حول أسس النظام الديمقراطيّ البديل، والتقدّمَ في صياغة عهد ديمقراطيّ، لا يكفيان، على أهميتهما، للتأسيس لفعل سياسيّ موحَّد يبني الكتلةَ التاريخيّةَ التي تحتاجها البلادُ للانتقال إلى الديمقراطيّة. {{تونس}} * مؤسِّس الحزب الديمقراطيّ التقدّمي (وقبله التجمّع الاشتراكيّ التقدّمي)، وعضو هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحرّيات (تونس).